Artist’s Writings about Art كتابات الفنان في الفن

الانسان والطبيعة والتيار المتفجر بينهما

لو عنينا بالطبيعة ” عالم الظواهر المرئي فقط” لاغفلنا ادوار العقل في تحديد مكنوناتها، ومن ثم لوقف النظر عند نطقة تلمسها؛ حتى الشعور لا يسلم هو أيضاً من الجفاف حين يرى العقل لا يستقبل المواضيع والقوانين والعلاقات الطبيعية التي منها يأتي حدود هيئته وما ينتابها من خصائص تدفعه لأن يكون سيداً. وعلاوة على ذلك يقترب ” عقل ” الإنسان بهذه الحالة الى عقل الحيوان وينحصر نحوه بنحو جرثومة البدن. وهذا مستبعد طبعاً لأن ميل الإنسان الى التفكير في الأفعال يحتم عليه الاقتران بالعقل الإنساني والتقرب من طبيعة وجوده في عالم الظواهر. وحين يشغل العقل حيز وجوده ينطلق الى تحديد كل ما يحيط به أو تحديد ما يساعده على ابراز هذا الوجود أو الواقع والعمل على اثباته عن طريق الوعي به.

مجرد القبول بهذا الاقتراض لا يعني التسليم به، لأن مكانة الانسان بواعها تحدد زاويةالرؤية وخاصيتها عنده. وتحديد الرؤية مع العقل معناه تحديد الذات الإنسانية التي تفرض بعد تلمس شفافيتها الاحاطة بكل ما هو حولها سواء أكانت هذه الاحاطة ملموسة تقع تحت طائلة الحواس أو كانت مجرد انطلاقات فكرية تذهب الى حد ابعد ما يتقبله الواقع.

والزيادة في الانطلاقات الفكرية تعني عند البعض وهم أو شبح يحيط بالعقل، ولكن هذا الشبح في حد ذاته يؤكد دلالة وجود صاحبه… وهذا ما نريد الوصول إليهن فالانطلاق الفكري هو امتداد طبيعي للاحاطة الملموسة والعكس صحيح أيضاً إذا كانت الدائرة العكسية تؤدي بوصولها الى نقطة البدء من انطلاق دورانها.

والدوارن المتواصل في جمه هو الذي اعطى الحياة للإنسان، وبه امتد نسيج العقل ليغرف من نسيج الطبيعة الخام ما يتناسب وحبكته.

هذا إذا كان نسيج الأخيرة خاماً لم تتحسسها الصور ولم تكن في تشكيلها الأول وحدة متكاملة، اثبتت وجودها فيما بعد على النحو الذي ارتضاه المبدع الأول.

فالخامة المفروضة والإنسان جزء منها – إذا جار لنا هذا القول – هما مادة لها تعريف بأن المادة لا يصدر عنها الا مادة باستثناء عقله كتفكير، توجب علينا الانتباه الى أن الطبيعة في سجل اسرارها لها “مواد أخرى غير تلك التي اعتدنا عليهان تعطي من لدنها مواد تخالف أصول الأم بحيث يأتي فيها ما لم يكن في الحسبان؛ منها أ العقل ليس بمادة وهو بذلك مخالف للقاعدة التي تعتبر المادة في ولادتها تلزم مكوناتها أن يكونوا مثلها الا العقل في دفعات تفكيره، لأنه النقيض الذي منه تاتي نعمة البيان لتسوغ ما بدا من ركود الظواهر في مكانة الخامة لتحيله الى مواد ثابتة يمكن الاستفادة منها وذلك باظهارها بمظهر المتحيز غير ذلك الذي الفناه وهو في الطبيعة بمعنى أنه ليس من المعقول بعد كل هذا أن نعطي حكماً على شيء بأنه عديم النفع قبل ان نخضعه من قبلنا للدراسة والتمحيص خاصة طبيعته العميقة وتنظيماتها الداخلية، حينها لم تعد الصورة المرئية للظواهر الطبيعية مجرد صورة عديمة لا يأتي ثباتها الا بالحواس فقط وهذا معناه أن العقل رقيب يحيل ما يراه الى التعقل ومن ثم الى التحليل والتركيب.

وزيادة في الايضاح لدور العقل ورؤياه الى الطبيعة، أنه عند تحركه في مجال الطبيعة يثبت أنها ليس عالم مرئي يشجع ويحث الانسان على التعاطي معه من خلال عقله لاخراج الشيء من تفانية في الركود الى شيء حي يساند الشعور الانساني بالتزاماته. ذلك لأن العقل لا يشعر بالغربة حيال الطبيعة التي هي مجاله الحيوي لأنه بها يظهر العمل الإنساني بصفة جوهرية نبعد تخطيه الصعوبات التي تأتيه من تجارب الإنسان مع الطبيعة.

وهكذا يمكن القول أن الطبيعة تحمل في طياتها الحقيقة المطلقة التي يسعى إليها الإنسان دائماً لأنه بها يتحرك لإدراك وجوده، فلوللاها لما استطاع التنبوء بطبيعة دوره في الحياة، ولولاها لما أدرك مجال تفكيره وذاته الإنسانية.

الحقيقة المطلقة التي نسعى إليها بعيشنا وتجوالنا هي التي تسقط من حسابنا كل ما يجعلنا بعيدن عنها، فالوحدة المزيفة التي يعرضها العقل حين يحصر الطبيعة باطار المرئيات فقط دون الاهتمام بالمجهود الذي يبذله للسمو بنفس عن طريق التامل والملاحظات والتجربة، كانت السب لقلقه فيما بدا من من تعب وقلق وهو توكيد على اتجاه حو دراسة بكل ما من حوله من ظواهر ليتسنى من خلاللها الى معرفة الحقيقة المطلقة التي هي جوهر الكون. عندها العقل لا يسمح بالوحدة المزيفة عند التفكير ولا يقتنيها ولا يستعين بها للدخول الى الشعور الإنساني بل يتعداها معتمداً على المواقف الراهنة التي يقفها تجاه الطبيعة، فما التعليل بعد اظهار التجريد الا قوة دفع نحو تحليل الظواهر الطبيعية عن طريق العمل بها ومن ثم الخروج منها بنتائج يأتي منها اثبات وجودها امام منتجها الذي هو بدوره عن طريق احتكاكه بالطبيعة كائن موجود يحركه العقل يدفعه نحو الاستمرار بالبقاء بغطاء مفاده الافادة وعرضها على الآخرين ليثار من حولها النقاش والجدل المفيد.

ولعل ابرز ما يفيد الانتاج المقرون والجرأة بمدى صحة ما يعرضه الإنسان المفكر على الآخرينن أن العرض من انتاجه ما بين ما اكتشفه واذل وأبعد ما يزيفه كان العقل في ارتياح وقناعة ينتظر النتائج التي هي بمثابة تدرج القبول الى المعقولل من ثم الى مفيد.

على أي حال أن الطبيعة تنذرنا بوجودها وتنذر العقل بعدم اغفال سعيه نحو اثارة تعريفات تكون بمثابة خطوة يأتي منها نفق هو دليل على أن التعاريف بوابة علاقة ما بين ما هو مخزون في الشعور والوجودان وكذا ما هو مخزون في الطبيعة.

لقد كان الماضي خزان أمان وصلة وصل ما بين الإنسان والطبيعة دون معرفة أسباب هذه الصلة أو الدراية بما تحويه هذه الأسباب من قوة دفع نحو جرنا الى ربط الماضي بالطبيعة والأحاسيس التي نملكها بعد خرق المزيف منها.

أن الحاجة للربط ما بين الماضي الذي فينا والطبيعة التي من حولنا عطف علينا واستدراك بالأشياء وتحليلها لمعرفة أنها مفيدة والا تسقط من حساب الحقيقة.

صحيح ان الماضي لا يظل دائماً في نطاق تفكيرنا لكنه ينطوي على الاتجاه الذي نسعى الى تحقيقه، أما عن طريق الميل أو عن طريق التصور الذي يمكن ان يأخذ منه ولو جزءاً ضئيلاً ينير به آفاق المستقبل للإنسان خاصة  ما يتعلق بشخصيته. مما يعني أن بناء الشخصية لا يأتي الا عن طريق تكويس التجارب من حوله مع المراعاة ان العمق الذاتي لها لا يتغير ولا يعود والقهقرى الى ما هو قبله بل يتحفز دائماً الى الانطلاق باعتبار أن الشخصية بما تملكه من عمق تنضج ونضجها أنه لا يقطع ولا يقف عند حد بل يستوعب كل عنصر يأتيها لتحقيق ذاتها.

العنصر الجديد وما يملكه من عناصر سابقة عليه هو حلقة التزام بالسابق واللاحق وما سيأتي من بعدهما. فالتسلسل بالحلقات الموروثة وما يستجد منها هي استمرارية وجود الذات الانسانية واستمرارية أصالة الطبيعة في دعتهما وما بينهما من ترابط لا ينقطع ، فلا الاننفصام يلحقها ولا التقوقع.

قد يقول البعض أن للمادة بداية قبل ان تصل الى حالتها الحاضرة منها ظواهر الطبيعة، وأن الإنسان استقبلها بحالتها المرهونةة، كل شيء أمامه مرهون حتى ذاته هي الأخرى مرهونة ولكن بنطاق تحفزها نحو التعاطي مع الطبيعة، وان كان هذا الانسان مرتبط بها من خلال حدود وجوده وحدود ما يستطيع التكهن به فهو يقترف باسبقية الطبيعة عليه ويعترف أنها لولا وجودها لما استطاع أن يوجد ويتفاعل معها.

ولكي يستمر في وجوده ويحقق ذاته فيها أوجد الطبيعة الإنسانية نداً للطبيعة الطبيعية وخلفاً لها بعد سيطرته عليهان فكانت استنتاجات تجاربه مفتاحاً به يأتي تعاطيه مع الواقع. ومن الخطأ الشائع الذي دائماً نفع فيه دون الرجوع عنه هو جعل فكر الإنسان ينتمي الى مذهب فكري بأنه هو الحق وما يأتينا من عالم الغيب من فكر مرفوض فكانما عجلة الزمن استوقفها العطاء وباتت رهينة لدوامة اجترار ما كان في الماضي ناجحاً. ان للزمن محطات يسجل الفكر فيها ما ارتأه ناجحاً ولا يقف على نفسه أبواب المستقبل، لكي يستمر الزمن في خلق محطات ابداع وما يأتيه المبدع من ابتكارات.

ومن الخطأ ايضاً رفض انتماء الانسان الى اي مذهب فيه ما يصلحه ويدفعه نحو الأفضل، فتجاربه الصغرى لا تركن ولا هي ملك للمكاتب للحفظ. بل ملك لمن يحتاج التواصل والبحث.

ولكن بعد كل هذا ما هو الأصح والنظرة الصائبة حيال استمرارية افنسان نحو تحديه للطبيعة والهيمنة عليها. الأصح هو بذل كل ما يلزم لخلق ظروف تناسب النظرة الصائبة. والابتعاد عما يجعل الفكر يرزح تحت وطأة القيود التي تمنعه من استمراريته في التحدي. ان استجلاء القضايا العالقة فتح مجال امام الإنسان المبدع أن يحلق ليفوز بالانتصار على الطبيعة وكشف ما تحويه من استمرار تعود بالخير على سيد الكون.

جميع الناس يتحدثون عن الفنان ويجهد بعضهم ان في هذا الحديث وسيلة للسلوك وكذا للمتعة لكنهم نسوا أن الفنان إنسان مبدع يحتاج الى التروي والصبر لخلق ما لم يستطيع الآخرون تحقيقه لكثرة العراقيل التي يجابهها في عمله وكشفه خبايا الطبيعة. أولى هذه العراقيل الاعجاب بما هو قائم في الطبيعة وعدم المساس به فكأنما هذا الموقف لشدته يذكرنا بالتيارات التي عانت منها اوروبا في القرون الوسطى وما تلاها من قرونن فتمجد الطبيعة وهو مذهب لجان جاك روسو قد دفع برينان أن يقرر بحدة أن الطبيعة خالية من الأخطاء في الرسوم والعالم جميل ان لم تمسه يد الانسان. مما دفع برسكن أيضا او حثه على دعوة الفنانيين الىاحترام الطبيعة والخضوع لها خضوعاً أعمى لا خيار فيه ولا اختيار، وعلى الفنان المبتدئ أ يحترس ويبتعد عن التحوير لأن فيه من الابتذال ما يدعو الى عدم التقدم وعدم الثقة بالذات. أما الفن الكامل بنظر محبي الطبيعة هو ادراك كل شيء والاحاطة به ووجوب اعتباره انعكاس للطبيعة جمعاء. فكل ما هو على خلاف ذلك فن ناقص وازدراء بكل ما يحيط به لأن الطبيعة هي المصدر الأوحد لكل فن، وعلى الفنانيين تسجيل الواقع دون اغفال أي جانب منه ومزجه بالمحبة النابعة من الفنان او المصور ذلك ن المحبة هي المام باجزاء الحقيقة الممثلة بالطبيعة بما في ذلك الجمال.

وقويت هذه النزعة واشتدت حين ظهرت فلسفة الواقعية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فكوربيه كان يحرض على رسم الموضوعات المرئية المحسوسة لأن التصوير عنده هو فن عيني يمثل الأشياء الواقعية الموجودة بالفعل وما عداه وهم وليس من دائرة فن التصوير. اسناداً لما جاء في اقواله يعتبر تصوير حقبات التاريخ ومواقف ابطاله في صنعه لاغ، والفنانو الذين بذلوا الجهد لاحيائه كاذبون لاهون مستسلمون للأوهام، وهذا معناه الحد من الانطلاقات الفكرية عند الانسان وشل طاقاته وحرمانه من الذات. فالجمال كائن في الطبيعة ولقياه لا يتمثل في موقع واحد كالظواهر المرئية بل له من الأشكال ما لا يحصى عدها.

وحينما يتم كشفه في اي موقع من مواقع الطبيعة يصبح ملكاً للفن والفنان بالذات ولا دحل للطبيعة فيه سوى انها المحرض. معنى ذلك ان للجمال موقعاً قائماً بذاته يسكن كل الظواهر ولا ينحصر  في زاوية الكونز فان تجسد عينياً كان تعبيره خلق للفن، والابتعاد عنه الاستهانة به لنه الجزء المهم الذي يحمل في طياته الحقيقة المطلقة، أو النافذة التي يطل منها الفنان لكشف اسرار هذه الحقيقة وما تحمله من مطابقة الفكر للواقع  أو مطابقة بالأذهان للأعيان وما تعنيه الحقيقة من يقين تتوسله التجارب.

ان الفن ليس محاكاة للطبيعة ولا هو مرآة لها أو وسيلة لهو يصنعها الفنان للتسالي، جل ما يفعله هذا الفنان هو خلق الذات الانسانية ووعيها بما يحيطها واخضاعه لاراته. فمزج الألوان واختيار ما يناسبها من اشكال مستقاة من الطبيعة والفكر هو دليل على اهتمامه بالتجربة البصرية التي هي منه وله او من الذات للذات او من عاشق يسعى لارضاء محبوبته بمعنى آخر أن الفن والطبيعة لهما علاقة متينة تربطهما بحيث تكون للأول خدمة في اظهار حسنات الثاني لأن الأخير على حاله يفتقر الى ادلة تثبت حقيقة ما لم يعمل الفنان على تفهمه وجراسته كالعالم في ثباته وجديته. كما نوه كنستابل في كلامه حين قال “… الفن ليس مجرد عمل شعري يستلزم الخيال” بل هو دراسة علمية تقتضي الالمام باصول علم الطبيعة ” النابع من الفكر  والعمل بمقتضاه علما واحساساً.

وهكذا نرى الانسان المبدع الفنان حين يقف امام انتاج يريد معرفته يلجأ الى المعرفةلضبط عما ستكون عليه الصورة بالرغم من وجودها خاماًث في مخيلته تنشد العلم وتحتاجه.ن فكل لحظة يمضيها الفنان أمام اللوحة يمضيها بابتكار يريده العمل الفني معبراً عن نفسه قلق التغيير الذي يفقده الصواب فيأتي عمله جيداً ثابتاً ملتزماً بما يريده علم الطبيعة بأصوله. فسيزان يعتبر ان وراء مظاهر الطبيعة تكمن الحقيقة وعلى الفنان اكتشافها بوسائله الفنية وعلمه. كذلك صرح جوجان وهو من رجال النزعة الانطباعية ان ” الصورة” ليست موجودو في الطبيعة وانما توجد في الخيال ، وعلى الفنان المبتدئ  اعتبار “النماذج” خير دليل على نجاحه بعد اسقاطها من رؤياه وحفظها في الذاكرة ن ملتمساً منها اثارة احاسيسه لابراز شخصيته الفردية المستقلة، وبذا فتح المجال امام ظهور النزعة الرمزية ومن ثم النزعة التعبيرية التي تجعل من الفنان أن يتحكم بوضع لحوته بأكملها وتفسير ما تأتيه الطبيعة من هواجس فنيةة، ولغة وجدانية اسمى من المواقع. بمعنى ان الحالة النفسية  التي هو عليها أو يكون ليست مرهونة بعوالم ثابتة بل تتغير بتغير احوال الفس التي تنشد الاستقرار ومن ثم الشخصية بما لها من ميزات وقوانين تتجه بها الى الترقي في ميدان الدوافع من اللاشعور الى الشعور والأفعال المنعكسة الى الأفعال الارادية، وكذا في مجال النشاط الحركي من استخدام الأشياء الى استخدام رموزها ن أما القانون الرابع والأخير فهو الترقي في مجال النشاط الذهني من الاحساس الى التصور الذهني”.

إذا ما يفعله اللفنان هو رهن بما هو فيه وبما هو عليه ن فكلما كان التفكير صحيحاص وسليماً يكون بالمقابل العمل الفني صحيحاً وسليماً. فالتغيرات التصورية تعطي افعالاً متباينة، وكذا الحال بالنسبة للشخصية.. لكن لا تنحصر التغيرات التصورية الا بالنضج والوعي بما يملكه ، ان اضحى واضحاً كان مسلك التغيرات واضحاً وكذا الذات الفنية أكثر استيعاباً بما حولها وعلى نحو غير محدود، فالعطاء الفني بما فيه من غنى لا ينطوي فقط على خصائص المادة المراد تكيفها ولكن أيضاً ينطوي على خصائص الذات. وهذا تأكيد من نجاحه على ان اتصال الفنان بالطبيعة وعدم الاستغناء عنها امر ضروي.

والخلاصة ان المرء الفنان يختار من الطبيعة ما يتفق ويتناسب مع ذاته فيقتطع منها ما تحدده له زاوية الرؤية عنده بعد جولة من البحث والتنقيب.

وحين يوافق الشعور بما لديه العقل من قوة في التجريد فينزع الصور من الهيولى ويتصورها مفردة على كنههان عندها يبدأ المرء الفنان بتركيب مقومات النجاح على المقطع المتخذ من الطبيعة. وأولى مقومات النجاح هي الثقة بالموضوعات المنتخبة ثم اللحظة التي تكون فيها هذه الموضوعات على يقين من ثبات الرؤية وخصائصها من فعل الحس البصري الذي لا يدرك بذااه مقادير الأشياء وأوضاعها ومسافاتها دون اللحوء الى العقل وقوانينه المساندة للبصر في ادراكه عن طريق علامات ودلائل تقدر المسافات والأوضاع والمقادير لتزنها بمعنى ان الذي يراه المرء الآن ليس من الضروري رؤيته ثانية لأنه يصبح من عداد الماضي وفي نفس الوقت يتغير هو ويصبح أيضاً هو ليس بهو لأنه ينتقل من الماضي الى المستقبل أي الانتقال من حالة الى حالة ثانية تختلف عما هي عليه في الحالة الأولى. والفنان المبدع هو الذي يستطيع أن يحتفظ باللحظة المنتخبة لموضوع هو بعينه مع تصوراته وصور تاتي مختلفة عنه ن يعني ذلك أن ليس ثمة فارق بالشكل المنظور لكن الاختلاف هو بالعورر المرتبط بالانتقال المستمر للموضوع الواحد، أي ان للموضوع المنتخب عديد من الصور تمر مع مرور اللحظات المتتالية فى تستقر على حال واحد لكنها دائماً تتغير طالما ان الزمن لا يقف عند حد.

والسؤال المهم الآن : هل يحق لنا بعد كل ما قدمناه أن نقول ان الطبيعة هي عالم الظواهر المرئي فقط أم أنه يجب أن نسقط من حسابنا كل تعريف يحد من دورها في تأدية واجبه ا نحو الانسان

والحقيقة انه ما من تعريف بقي واستمر على الدوام الا وكان مقروناً بنجاح الانسان وتطوره . فكماله المنشودج هو هدف يسعى اليه ليزووي به كل عصر ارتضاه ليكون تاجاً لفكره وانتاجه. فالتاريخ يشهد  على ذلك ولا يخجل من ذكره بل يتباهي بصانعيه ويفتخر إذ نجده يقسم ذاته بحقبات ليبرز شخصياتها فخراً بانها صانعة التاريخ الدالة على الانسان الفنان المنتصر.

سميت هذه الحقبات فيما بعد من قبل الآخرين المنظرين بالعصور الذهبية، حين علموا أن الدافع الى ظهورها هو تماس العقل البشري بالتيار المتفجر المشترك ما بين الإنسان والطبيعة. وهذا التيار المهم هو الذي يحدد موقف الانسان من الطبيعة وهو أيضاً الذي يدعونا نحن الى الاهتمام به للتركيز عليه باعتباره المورد الحقيقي للوجود الإنساني.

 

 

سؤال – هل هناك من علاقة تربط العلم بالفن ؟

جواب –  للعلم والفن نظامين مختلفين ينبعان من نشاطين آتيين من الفكر. لكل منهما استقلالية لها قواعد تشدهما الى بناء عمل للعمل وآخر للأثر الفني. لكنها وبالرغم من نجاحهما ذاتاً يحتاجان الى تماثل في بنائهما، يجمع ما بينهما مكوناً منهما حجز زاوية تنطلق منها قوة نحو توازن ترتاح  اليه نفوس العالمين في تجربتهما وترتقي جاعلة في ارتقائها قوة قادرة على تقويم العلم والفن معاً وتطويعهما لصالح مثولهما أمام التعبير الذي منه تأتي القواعد المشتركة الحاوية على قوائم بنائهما ووظائفهما والهاوية بالاستقلال عنهما.

ومن ناحية أخرى يأتي التنظيم في التوازن ليدفع بكل منهما الى التخلي عن نصيب هو بمثابة نواة جديدة يشاد عليها بناء صرح يختال به العلم والفن بحرية لكونهما يملكان قواعد تجمع ما بينهما وينفرد كل منهما على حدة بخصائص تهم استعمالها كأنها المتعة التي يسعى اليهما العلم والفن، غير ساهين عما لدور الوظيفة الإنسانية من اهمية في بناء هذا التنظيم الذي تركن غليه استقلالية الفن في التصميم وكذلك العلم أيضاً وبعد ما هي هذه القواعد التي تجمع بينهما. ذكر بعضها يزيح الستار عن اهميتها بمعرفة مزاياها التي منها يستفيد العاملون والقاصدون الى مزاولتها.

أولاً نقول أن العلم والفن هما نظام فكري – مركب سواء أكان كل منهما على حدة أو تجمعهما قواعد مشتركة بمعنى أن كلا منهما بداخله بناء تجتمع فيه عناصر يحتاجها العالم في ممارسة عمله كذلك الفنان في ابداعه وهي تتشابه في انسيابها بالعمل والابداع.

أولى هذه القواعد قاعدة التمثيل أو العملية التي يقوم عليها الفكر للكشف عن التشابه القائم بين الظواهر حتى إذا ما تم المثول وحضورها كصور ذهنية مختلفة الأشكال كان اخراجها من عالم اللاوعي الى عالم الوعي ممكناً وحلولها مستقلة، حتى أن حلول بعضها محل بعضها الآخر يحتاج الى دعم يوفر اكتشافها. فنظرية الأفكار التمثلية التي تحدث عنها ديكارت وغيره اسهبوا اطناباً بأن الذهن لا يعرف الأمور المحسوسة مباشرة لكنه يعرفها عن طريق الأفكار التي تمثلها، فهي تقوم بمقامها لتجعلها ماثلة أمام الذهن. فالأخيرة لا يستوعبها كلها دفعة واحدة لشدة اتساع افاقها، ان استوعب فان استيعابه لها يحتاج الى التجزئة في المثول حتى ينتقل لها تدريجياً من الان الى الأبعد، وهذا معناه أن التمثيل في التجربة يحتاج الىروابط ضرورية ملحة بما يحيط بها، يعرفها الذهن يشد أواصرها جاذباً حلقات المدركات الحسية الى أن تتمثل في الممكن.

وهذا يتطلب قوانين منها الحفاظ على الجوهر لتعاقب الظواهر والتبادل فيما بينها بالعقل والروية. فالعلم لا يقبل أن يكون تحصيل حاصل والاكتفاء بما لديه لأن استقراره ناقصن كذلك العمل الفني يرفض الاكتفاء بما لديه لأنه بمثابة حلقة تحتاج الى حلقات لدعم ما ينتجه الفنان، فهو أيضاً استقراره ناقص، والنقصان في الاستقرار حث على الاستمرارية في البحث ودفع ننحو الاكتشاف للوصول الى الأفضل لخلق ما يؤمن به الإنسان بأن الطبيعة هي خام تعطي مواداً تساعده على تنظيم استفادته منها حيث اللجوء اليها معناه اظهار وريث لها يخلف الطبيعة الطبيعية مبيناً من خلال تقربه لها أن في حلتها قوانين تعطي الانسان ما يصبو إليه في خلق طبيعته الانسانية ضمن مفهوم هو ان العالم بحاجة الى تنظيم يشمله. أما القاعدة الثانية فهي قاعدة التصميم أو المضي بعزيمة حيث الشيء بحاحة الى وعي. من تعريفها يأتي البحث عن البناء الداخلي الهندسي للتجربة وذلك عن طريق ايجاد عناصرها او الاكتفاء بأنها الخطة الأساسية التي يتم اجراء التجربة على اساسها.

فبالرمز وهو من التصميم يمكن الدلالة على شيء او فكرة او معان خاصة للتعبير عن حقائق ومعتقداتن وهو أيضاً لدقته الاستعانة بايجاد لغة دقيقة للعلوم والفنون ، والاجراء الذي تم بوصفه بيسر أمر الاستدلال أو العلاقة التي ما بين المبدأ والنتيجة أو بين قضية وأخرى أو بين قضايا ينتهي أمرها الى حكم بالصدق أو بالكذب أو بالضرورة والاحتمال.

بيد ان القياس في التصميم له شأنه في مجال العلوم وهو لا يقل أهمية عن الرمز. إذ نجده يحتمل القول المؤلف من الأقوال- كما في الفلفسة – لينتج عنه قول آخر فيه من الصدق ما يعتمد عليه إذ يصبح ضرورة منطقية تقتضي عدم التناقض وتقتضي أيضاً أن امرها هو من أمر الواقع الذي يستحيل عدم حصوله.

أما الفن في مجاله له أبجديته بالتصميمك وله تدخلات في مجالات الفنون التشكيلية جميعها حيث نجد يبحث عن هوية فنية من منظور التامل في المخلوقات والكائنات والعودةبها الى الدراسة المضنية التي تؤدي بعد يقينها الى الجمع بين عناصر متفرقة، والهدف من محاولته التأليف بينها عن طريق التركيب الذي يعتمد على البسيط والنقل به الى المركب بمعنى أنه على خلاف مع التحليل الذي يتناول الكل ليقسمه الى اجزاء بعد ردها الى شيء يتكون منها .

لذا قال ديكارت وهو يشير الى منهجه أني ” أرتب أفكاري بادئاً بأبسط الأمور وأيسرها معرفة واتدرج رويداً رويداً حتى اصل الى معرفة أكثر يقيناً ” وماتيس (الفنان) يقول ايضاً حيث يتحدث عن اختياره لألوانه ” أن انتقائي للألوان لا يتركز على نظرية علمية أنه يرتكز على الملاحظة وعلى شعوري وعلى معاناتي وحساسيتي أنا”

لكنه نسي أن الملاحظة هي احدى صور المعرفة التجريبية وهي شاهدة يقظة على ما تبديه الظواهر، كما انها في سيرها لا تقبل التعديل أو التغيير وهي أيضاً كما يعرفها المعجم انها تختلف عن التجربة لكونها تسمح للمجرب أن يتدخل في سير عملية التجربة ليعدل ملاحظاته باستخدامه لها في الكشف عن فرض أو اثبات آخر.

ان التجربة خبرة يكتسبها الانسان من خلال تعاطيه لها لتصبح عملياً يقيناُ بعد انها كانت في مجال النظري شفوياً. ان مجالها كبير يطال العلوم كلها والفنون أيضاً. كذلك أنواعها عديدة منها التجربة الحاسمة وأخرى ذهنية. وكلاهما يخدم العلم والفن بايجاد قوانين لهما مشتركة كانت أو فردية تنبع من الذات الإنسانية أو من الطبيعة البشرية على اعتبار أن الطبيعة الكونية لها اسرار لاحد لها كذلك الطبيعة البشرية التي تنطوي على أسرار أيضاً لا حد لها.

فالنقطة مثلاً في مجالها الفني الشفوي ذات جوهر لابعد له ولا تنقسم في ذاتها. وانما تتعدد باسماء تطال صفاتها . والعين تراها لكنها لا تلمس الشيء منها بل تعدد وحداته لتوزعها وتحيلها على التركيب والتحليل.

والطبيعة في تعداد نقاطها تصدرها احجاماً مختلفة، منها الحبة والنواة كذلك قطرة الماء التي يستقي منها النقطة كبداية للتأليف في عالم الفكر والفنون. فهي من وجهة نظر أخرى النقطة المربعة والمستديرة التي نشأت من عملية : اسقاط ماء ملون على سطح ورقة بيضاء ادى إلى ظهور نقاط كبيرة وصغيرة متناثرة أو ملتحمة على سطح الورقة. وللتأكد من سلامة القول الاستعانة بمجههر يفرح عن معرفة ما تحمله الطبيعة من عجائب تخفيها عن العي وهي أن النقاط المتناثرة والملتحمة متنوعة الأشكال ما بين مربع وشبه مربع أو مستدير وشبه مستدير وكلها لا تخرج عن دائرة الهندسة التي شكلها الانسان لازدياد معرفته من وقائع تتزين بها الطبيعة التي تحيط به من كل جانب، فعلقه لا يستوعب كما قلنا كل ما يحيط به دفعة واحدة لكنه يستوعب الجزء لاختصار المسافات في حصرها على مدى قريب منه في حيز سهل المال. فالمسافة بين الاسقاط وسطح الورقة هي بعد زمني يقدر قيمة الحركةن خاصة إذا كانت الحركة صادرة عن يد الانسان، التي تسخر بمعاونة العقل كل ما يلزم الاختزال فالدائرة تعني مساحة بعد وقوعها على ورقة كذلك المربع فهو القادر على تحديد المكان والابتعاد عن التكهن والمعاناة في الرؤيا بع انزاله على مسافة قدر لها أنه تكون شبيهة بالكون المختصر المحاط بالايحاءات النفسية والشعور النسبي الذي يرفع بالتصميم أن يتحقق.

ان العلاقة تربط شكل لغة المادجة الموزعة على الطبيعة في ظواهرها هي شبيهة بلغة التشكيل المحقق في الفن وافاقه، لأن العلم في هذا المجال مرادف للمعرفة التي تصبو الكمال، كذلك الفن في افاقه ونشاطه يعتني ان ينال المنى، لأن الغاية في حقل تجاربها هي التعقل المحض والاكتشاف المرجو الذي يخدم

والتماثل بين العلم والفن هو التنظيم الذي نتوخاه والذي منه تأتي القواعد الأساسية للبناء، ففي طياتهما تشابهاً وظيفياً منه يأتي المعنى الذي نرضاه ان احدهما لا غنى له عن الآخر فبالزود تتحقق الماني وتندفع نحو الأفضل.

 

————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————– 

سؤال – ما هو الفن التجريدي برأيكم وما علاقته بالتجريد ؟

جواب – التجريد هو اهتمام بالكليات واهمال الى حد النفي بالجزئيات والاكتفاء بالجوهر دون المادة، على أن تبقى الصورة محور لكل خيال ووهم. فالخيال ملزم بظنه مشجعاً له يأخذ الصورة بجوهرها نازعاً عنها مادتها التي كانت تحيط به حين كانت بالواقع مستقلة تراهن العين لتراها. بينما هي في الخيال عين ذاتها محتاجة الى مادة أخرى من نسجه وتأليفه وتواليفه تساكن الصورة كتساكن المادة السابقة عليها. او تشبهها الى حد ما في بعض خصائصها الا انها ليست منها. كذلك الوهم في تحركاته يتناول الصورة كتناول الخيال لها ولكن بفارق هو ان الصورة المستقاة في الواقع مجردة راغبة بالتداعي حاملة معها المادة المصورة التي تتناسب وافاقها من البساطة والأطناب والاستقصاء ما يتوافق واستعمال العقل لها، فالأخير يسقط من حسابه ما يتعلق بالواقع ليكتفي بما للصورة الذهنية من قوائم تدعوه الى التحرك جاعلاً منها قوة المام بالمكان أكثر مما تعطيه الرؤية العادية ن فيها من المصداقية مما يؤكد تساويها مع الموجودات ولكن بتفوق يرضى عنه العقل عند الاستعمال.

من هنا جائت التجريدية عند وليم جيمس بمثابة ميل نحو اعتبار المجردات موجودات واقعية. وان ماهية البرجماتية عنده هي في ابرازها للروابط بين الأفكار باعتبار الأخيرة عناصر في التجربة تبين ما ينتج عنها من تجارب تحوي الفكر في تحليله لعناصر التجربة. لا الابتعاد عنه والتجريد أيضاً له علاقة بالتصوف وبالنزعة الصوفية كحال الأديان بما تبديه وما تخفيه من ايمان بمبدأ اسمى يتعالى عن الموجودات، فهو ومن خلال سعيه في تناول جميع المواقف التي تتعلق بالأدب والفن اطلق على المذهب الجريدي اسم صوفية الفن التي تسعى عن طريق الرمز غزو عالم ما وراء الطبيعة بغية الوصول الى المطلق. والانتقال باشكال الطبيعة من صورتها العرضية الى أشكال تخص الجوهر في خلوده حيث التحول يطال الخصائص الجزئية ويحيلها الى صفات كلية. بمعنى الانتقال من الفردية الى التعميم المطلق او بتعرية الطبيعة من حلتها العضوية وأرديتها الحيوية كي تكشف عن اسرارها الكامنة ومعانيها الخامضة لتصبح تعميماً بعيداً عن الواقع. بمعنى أيضاً أن تعرية الأشكال عن صورتها الطبيعية والعضوية تستهدف الجوهر الكامن خلف ظواهر الطبيعة واظهاره ليأخذ مكانه في الطبيعة والفكر. فالتحول بالشيء الطبيعي ابراز للصورة الميتافيزيقية ( ما وراء الطبيعة) والانتقال من المحسوس الى اللامحسوس أو المعقول الى اللامعقول ولكن بصيغة تجعل الأخير في متناول الرؤية.

والفنان بهذه الحالة. كحال المتصوف الذي يتجرد عن كل ما يتصل بمتع الحياة والعمل على قهر رغبات النفس وشهواتها مع الحد من الضروريات بالزهد والتقشف حتى تستطيع روحه أن تستمر وتسيطر على الجسد ورغباته . فالصفاء الذهني هو الذي يعطي الايحاء بمضمون الفكرة التي يقوم عليها العمل الغني وما من عمل فني في الفن التجريدي الا ويسبقه معالجة فكرة يريد الفنان اظهارها الى حيز الوجود وذلك عن طريق التحليل والتركيب لعناصر موجودة في الطبيعة يسخرها الفنان لصالح ما يريده من عمله الفني.

ان فلسفة الفن تدعو الى تجريد الصفات الجمالية من الصور والأشكال الحسية وتدعو أيضاً الى نزع المعيقات من الذهن حتى يتسنى للأخير ان يتعاطى مع الواقع تعاطي السمو الذي يتناول الموسيقى كما هو عند كاندتسكي والطراز المعماري كما هو عند موندريان، وكلاهما يهدف الى غاية واحدة الا وهي البحث عن المتعالي والمطلق.

 

————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————– 

سؤال :  عدنان المصري تتنوع لوحتك ما بين الحروفية والتجريد مروراً بالمذاهب الفنية الغنية بالتطور هل كنت تقصد التنويع ؟ أم أن تأليف اللوحات آت من الانية اعني اللحظة.

جواب : التنوع معناه تحرك الشيء وتمايله فيقال تنوع الغصن أي تحرك وتمايل بدلال حين يأتيه النسيم فكيف بالجمال حين يغزو عقل الفنان فيلبيه.

والتنوع هو غير النوع منه يأتي معنى الفعل أو الهيئة او الصنف من كل شيء ن فكأنما هذا التعريف للتنوع يقربنا من علم الأحياء بضفته دلالة يشير الى جملة الأفراد المتشابهة التي تولدت فكان بعضها يأتي متحدراً جاعلاً من نفسه حدوداً لخصت بمعنى الجنسن والتنوع علىخلاف بسيط لكنه جذري مع النوع لأن الأخير له معنى التمييز بين الأنواع وتحديدها في أفعالها وهيئاتها وأصنافها، لكن لا حراك فيها الا بعد وصفها جنساً. والقصد من كل هذه الشروحات هو التقرب من افعال تطبيقها. عندما يلجأ الفنان إليها للبدء بعمله الفني. والتداعي الموجب فيما بينها هو اظهار قوتها في الابداع ! وحفظ وجود الشيء في ديمومته دون ان يكون له وجوداً بذاته . الا ما اتى به الفنان من علل تؤكد حضوره تخيلاً ثم تمثيلاً وهذا يتطلب معرفة بالفنون والعلوم التي لها صلة بالفن والجمال وما يحيطهما من فروع تمس المعرفة وتختلف معها، والفن في مجاله مركب معقد يحتاج الى طوائف انتجها العقل البشري بذاته كوسيلة بل فعلارادة باكورته من العقل واستجابته خلق اتصال مبني على جمع الناس حول مفاهيم يتزينون بها ولا يتفرقون. من هذا المجال كانت الحروفية في بدايتها عصارة كل ما يحيويه العقل من معرفة تذهب الى التطور ولا تقف عند حد التقليل من أهميتها لأنها تتغذى بالعلم ولا تختلف معه لأن هناك قواعد أساسية تجعل الفن والعلم نظامين متميزين للنشاط الفكري تعاونه الوظيفة الانسانية، النابعة من وجدان الفنان حتى إذا ما بدت كانت النفسية اسبق اليها من ذاتها كذلك الاجتماعية ، والاثنان تماثل بناء لها.

من المسلم به أن العلم والفن هما نظام فكر مركب فيهما عناصر توالف تجبر النظام أن يتبع تجردهما من خصائص تربطهما بالواقع والطبيعة لصالح عمليات لا انساق تبغي الوصول الى معادلات هي بالحري وليدة عمليات فكرية متنوعة. فالمعرفة بهذه اللحظة يتولد فيها قواعد مساندة للفكر في خلق ” شيء” ليس بالضرورة مسامياً لما هو في الوجود في ظواهره وانما هو من باطن اسرة الطبيعة الخفية المحركة لما هو ظاهر منها. ان التنوع في هذه الحال يعانق النوع والاثنان معاً يعانقان أنواع الأجناس فلا فرق بينهم سوى التسابق في خدمة الابداع. اليس من حق الفنان أن يستخدم المعرفة في كل مذاهبها وأن يجعل الزمن في لحظاته كوع يديه مراقباً لما يبديه من ملحظات تكاد تكون الابداع نفسه.

أن التأليف نتاج عن وعي فيه افكار عارضة وأخرى مصنوعة، والأخيرة مركبة من الأولى ولا فرق بينهما سوى فعل صنع الذي منه تأكيد الحقائق المحسوسة بعد صفها.

ان الحروفية بعد توسع مفاهيمها تساوي ما تريد مع اللغة واليد اللتان اجبرتا تاريخ البشرية ان ينحصر بهما.

 

====================================================================================================================================================================

سؤال : هل الفن حرفة وصناعة أم قيمة جمالية .

 

جواب : قديماً قيل بأن الحرفة صفة الرجل وما تكتسب منه . وصاحبها مزاولها يدعى حريفاً أو شديد ةالدقة عند التنفيذ . حاذق لا يخطي ء في تقدير اته . هو والصانع معاً أصحاب علم وفن ,يمارسهما الإنسان حتى يمهر فيهما , فيصبحان حرفه له دون تردد . الأول منهما يتعاطى مواده جاهزة للتحويل والتركيب , بينما الاخر الصانع يحيل موارده إلى مواد للأستعمال ,قد تكون هذه المواد خفيفة أو ثقيلة , فوزنها تحدده غاية الصناعة .

قادنا التمييز بين الاستعمالين إلى دوائر الحواس , ويجعل الفنون الجميلة من نصيب السمع والبصر , بينما باقي الدوائر من نصيب الاعمال التي لا تتوافر فيها صفة الجمال الفني بسبب غاياتها النفعية .

والتمييز أيضاً بين طبائع الحواس الخمس الانسانية فرض علينا أن نجعل الابداعات الفنية الجميلة من أعمال القطاع العقلاني , لأن ما جاء به القطاع المادي كان من نتائج دوائر الحواس الذوقية والشمية واللمسية ولا دخل للابداع في خلق ابتكارات يأتي بها العقل .

هذه الأجزاء بالنتاج لا تعني بالضرورة تجزئة قوى الحواس عند الانسان أو اقامة حواجز بينها , فتخصيص ادراك لكل قطاع يجعل الأخير مستقلاً عن سواه دالاً عليه . وأن جمعت كل هذه الادركات لا تشكل ادراكاً أو اختصاصا ً كليا ً كالذي يملكه الإنسان في مجامعيه . فالجمع بين اعمال الحواس الفطري لن تحسن صناعة التجربة أن تأتي بمثلة لأنه حفيظ مصان من الابتذال , ولعل الذي يدعونا إلى القول أن هناك غلبة لحسى على اخر في العمل , تبرز حين يتعاطاها الفنان دون أن يكون لها مواد تلمس باليد للتشكيل بل يكتفي العقل في توجيهها لثبات وجودها . فالموسيقى مثلاً “صناعة” تخص الاذن يعزفها الفنان المتخصص بها دون وجود متحرف مهيأ للتجهيز لها . فالعلامات السوداء الدالة على اللحن يكفيها ورقة وكتابة عليها وعزف من قبل العازفين . فهل هذا الشيء تبحث عنه الصناعة لتداولها بين الناس أم أنها رسالة من الاذن إلى الاذن يستسيغها السامع فيطرب . أن للموسيقى وقع في النفوس يحركه الوجدان ليتعالى عن المادة ويقترب من القيم التي تحدث عنها الفلاسفة فجعلوا لها برجاً مثالياً يتصافى مع العقل ولا يقترب من نسخ كادت أن تكون صوراً تعلم الانسان الصناعة ليستفيد , وما الجمال في هذه الحال إلا القيمة المطلقة التي تدعونا إلى البحث عنها في الطبيعة , حتى الرسم لم يحل من القيم المثالية الجمالية لأنه عمل للعين التي تسعى إلى ايجادها من خلال تطلعاتها إلى الظواهر الطبيعة .

أن الذوق هو للسان واليد للمس والاثنان معاً مدخلان يتعرف الأنسان من خلالهما على ما يحيط به من حلاوة ولمس الاحجام . أن الحواس كلها ملك الإنسان يستعملها الأخير لتبيان ما يتحسسه في الواقع . فالنحات بالرغم من ابداعه وتسخير اصابعه لا يعمل بمعزل عن باقي حواسه المطلوبة في صنع العمل لفني ,أي أنه بتعاطيه مع الحجر اصبغ عليه ما تكنه حواسه كلها حتى كاد أن يلامس القطاع العقلاني لولا المادة التي منها جاءت القيم الجمالية بتحرجه من دائرة القطاع المادي أو الانتفاع بكل ما يوحيه الحجر من ابتذال في العموم . لقد تسامى النحات وارتفع كذلك الموسيقى والرسام حينن حول الحجر الخام من وضعه الجاف إلى انغام ترقص عليها ربات الجمال , واضعاً سلم الالحان والايقاع خفة تتمايل عليها قوانين الانسجام وانسيابها على الحجر المصقول كانسيات جرعة الماء في الحلق أو على اطراف ضفاف النهر مودعة الشمس في عسقها .

من كل هذا يبدو دون الحصر أن الفن هو من سياق العقلانية بينما الصناعة وما تحويه من صناعات مقتصرة على النتائج النفعية المادية . حتى كادت مثاليته ولصعوبتها مقتصرة على النخبة من الناس بينما الصناعة فهي مشاعة بين الجميع .

أن الفن صناعة لكنه من صنع الجمال يسقط من حسابه صناعة المادة حتى ولو كان فيها حذق ودراية ومهارة التي وأن بدا منها الامانة فأنها تعني الرقي في حفظ الصناعة الانسانية , لها من النزوع ما يؤكد جماليتها ولكن بمنحى اخر يقربها من قيود الغاية النفعية المعيشية

كالحجة إلى المأكل والملبس أو المقعد وغيره , بيد أنها ولشدة ملاحقتها بالغاية النفعية المعيشية تظل تبحث عن الجمال الانيق والابتكار الذي يزيد من راحة في الجلوس على كرسي أو المتانة في عدم خلع باب منزل أو زعزعة مفاصل كرسي . أن الاناقة من هذا المنطلق تعني الجمال الصناعي وتعني أيضاً القيمة يتحلى بها العمل خاصة حين سير حاجاتنا النفعية ويؤمن لنا الخلاص من النقص . وهذا بالطبع على خلاف من جهة بالاهداف مع الفن في غاياته النفعية المعنوية . فالجمال الذي يأتي به الرسام أو الفنان غايته الابداع في جوهره الذي يتغذى منه العقل والروح على السواء .

الصناعة والفن كلاهما يستدعيان المهارة والابتكار في العمل واصابهما من المهرة في الصنع لهم امكانات عقلية وجسدية تؤهلهم للقيام بأي عمل فيه نفخة الفن والصناعة .

فمعرفتهم بأسرار المهنة والقدرة على الابداع اذلال لكل الصعوبات التي تواجههم ودفع نحو خلق امال مشتركة وأنظمة تكاد تكون من الطبيعة نفسها والوجدان الذي يتحلى به الإنسان .

الصناعة كما قلنا في سياقها نفع كذلك الفن له من النفع مت يؤكد وجود العقلاني الذي منه يأتي تقدير الجمال ملتزماًبه . والفرق بينهما أنهما يملكان مظاهر عدة تحيط بالجمال لتقنعه بأن يتجه نحوهما اتجاه المادة في ذاتها كذلك العقل في عنفوانه وشبابه .

ان النزعة الجمالية في كل انشطتها الإنسانية اصيلة نعرفها من اسبابها التي يتعاطاها كل حاذق منا . وحين نتملكها نتملك الفن الجميل والدوافع التي جعلت الإنسان الحاذق أن يمارسه . فوضع يدنا على شيء من اسراره فك لرموزه التي منها نشأ الفن التشكيلي المعاصر .

 

 —————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————

سؤال : ماذا عن لغة التكوين والتأليف الفنيين في بعض أعمال الفنانين قديماً وحديثا ً.

جواب : فكتور هيجو في كتاب له عام 1830 , ناقش فيه  موقف الكلاسيكيين من حيث كيفية اختيار الجمال وعلاقته من حيث انتقاء النموذج والمثال له .كما ناقش دور اللون المحلي في تحلية التكوين الفني الاتي من داخل نفس الشاعر أو الأديب أو الفنان , حيث نجد أن هذا اللون ينبض اشراقاً عندما يتجلى فيخرج منه ومضة قبس من نور تتمثل فيها الاصالة في الابتكار والجودة . فاللون الغارق والخاطف لكل جليل يسطع ويلمع اتياً من غياهب سجون الغفل من الطبيعة ,هو ذاته اللون الذي خطف جلالة نوره من مكان وزمان مسرح التكوين القابع في لجة الاحتمال ليخرج منه دفعة تمادى في العناد بها حتى اوصلها إلى الفعل المزجور وما بناه لحسن رجائه  إلى العلياء حيث العقل متبوءا ً مركزاً منه تأتي محليات العصر وزخارفه .

واللون عند التعاطي معه ميدانياً  في مساحة اشتد الرفق في تحديدها اثقله النضج بعد اكتماله , في لحظة ليست بلحظة دار فيها الجدال حتى بان وكأنه صلة تجمع ما بين الفنان والقدرة جاءته من نقل الفكرة من انيتها إلى نقيضها حيث تصبح متممة لما كان لها من مساحات أخرى تؤازرها في التكوين .

ليس من الضروري أن يلتزم الفنان بالايهام لاظهار الاجساد كما تراها العين في الطبيعة , فالمكان هذا كما  يتوهم الكلاسيكيون بوجوده لا يؤازر وجود المادة إلا من خلال التظليل والرسم والتلوين , فدقة الوان الاشياء خسارة في اغناء اللوحة ككل واقلال من شأن منزلة الروح والحط بها إلى مستوى الواقع الذي يحوي النقضاء المتمانعة بالذات والمتنافرة بالاجتماع فيما بينها .

لقد شدد انغر وهو عالم وفنان فرنسي على ضرورة معرفة الرسم كمادة كما فعل من بعده دولاكروا . والفرق في الخلاف بين الموقفين هو احتجاح الأخير على وجود الهدوء المهيمن على اعمال الكلاسيكية والخط الافقي واللون على ابراز الخط , كذلك دقة التفاصيل كسند لوهم المادة. والسبب الاخر للخلاف أيضاً هو ما حظيت عليه الكلاسيكية من مبادىء لا تتناسب مع العلم والمعرفة الجديدين  . فالمعرفة التي كانت سابقاً هي التنفيذ بشكل دقيق وكامل يأتي منه اعمالاً فنية مزدانة بالاشكال الواضحة والمفهومة التي يمكن التعرف عليها من قبل المتلقي الحاذق واخر يهمه الرؤى ليطابق فيما بينها وبين الواقع وخزين التصور التابع في العقل والوجدان .

دولاكروا الساري في الخلاف مع من سبقوه بالفن يزيد من أهمية الخط ليعطيه قوة رعشة تلفت الناظر إليها يحتاط منها المشاهد حذراً من مغبة الوقوع في شباك التطابق ما بين ظواهر الطبيعة وما اتى به من مهارة بالنقل . لقد كان دولاكروا حريصاً على جذب المتلقى وارغامه على احترام اعماله الغنية ودفعه نحو الاقرار بأن ما فعله من أعمال فنية هي نفسها التي انستها الطبيعة فزينت نفسها بها .

نكرر بأن الشحنة العاطفية التعبيرية التي سماها دولاكروا وغيره قوة رعشة هي ذاتها موجودة في الواقع , اكتشفها هوليبرزها أمام الجماهير الغافلة عن معرفة مفهوم الطبيعة وابعادها إلا من خلال شرح الفنان لاعماله الواقع غني بما فيه والناس لا تدرك معانيه إلا تنبيه من مكتشفيه .

لقد كانت لوحة ” الجمهورية في الخندق الامامي ” خير دليل على ما نقوله , فحركات المرأة التي ترمز إلى الجمهورية تسحر الناظر إليها لوثوبها واندفاعها نحو الامام رافعة علم بلادها والاشخاص الموزعون من حولها في أوضاع تساعد على أبراز وضع المرأة المحررة . فتوزيع اوضاع عناصر اللوحة من أشخاص وغيرها محاطون بقوة تتجسد في مشهد واقعي مقتطع من منظر كبير لا يحده إلا حقل الرؤية عند الناس . ونجاحه بالتطابق جاءت تفاصيله عامرة لتؤكد انتماؤها إلى الطبيعة ولكن برمزية اختزلت حوار الانسان مع محيطه , كانت عناداً اثبت من خلاله الفنان القدرة على تجسيد ما أتى به فكره من أن النضال من أجل الحرية وارد و أن كان مصدره العقل لا الطبيعة .

مجتمع لا يجيد القراءة والكتابة لا يجيد القراءة والكتابة لا يجيد الرؤية ولا يحسن التفسير حتى ولو كانت هذه الرؤية طبيعية , فهو بحاجة إلى اعمال لها مهام مضاعفة يعرفها القارىء الفنان والمختص, أولها أن تكون واقعية ترمز إلى فكرة تغتالها غاية نبيلة بعيدة عن الابتزاز , ولكي تحقق نبلها لا بد من اصباغ عناصرها بدور مزدوج فيه من الاشارات والرموز التشكيلية ما تسمح له سماح المجيء إلى المنطق وفيه أيضاً ملاحظات منبثقة تكاد ترسل من لدنها ما يتناسب وموضوعية الواقع الذي تراه الاعين . أما الفنان في ظروف تجليه لا يبخل من اعطاء تجربته الوجدانية الجمالية مكانا ً يملأ العمل الفني بوحاً يغمره عطفاً وختالاً  بعد مداومة يأتي منها عزة بما ابداه الفنان من شعور عاطفي صادر عن قلب فيه للتعبير دوراً محركاً يفيض منه الحنان , يصبغ الروح قوة لتنجلي وتلامس التكوين الفني هياماً يتشكل منه الفيض الساحري الذي يبهر عيون الناظرين إليه مسترفاً الاعجاب والشفافية هاتفاً بصوت خفي أن ما جاء به الفيض تهتز له اركان الوجدان يتعالى الحب شغفاً بما جاء به الفنان من ابداع .

التصوير الزيتي الذي تميز به عصر النهضة وبعده ., تميز بملاحقه من كان يبدع ويكتشف من تجاربه معادلات عملية ترفع من شأن العلم والثقافة والفن فبات اكتشاف التصوير الزيتي بداية لاكتشاف منهجية تلمس بخصائصها كيفية  تنظيم عناصر العمل الفني بعد أن كان مقفلاً بالرؤية البصرية وسكة الاعجاب بما تأتي به الطبيعة . فالانتقال من النقل  إلى العقل وإلى اثراء اللوحة بالحركة كانت كفيلة بجعل الحركة هذه ثوب يخلع على كل عمل فني ما يرتاح إليه الأخير بايجاد زمن له يخرجه من السكون إلى الحضور كموجود حي تشع فيه الروح , تلهف إلى المهارة الابداعية تخرجه انبعاثاً من الزمن المتلهف إلى الحركة خوفاً من الجحود يلحقها , فيؤذيها بالا يكون لها مكان تستقر عليه وتبقى . من هنا جاء العلم ليلعب دوره في خاطر الفنان فيحيله كله إلى صراع بين أساليب استقاها من كل الحضارات واخرجها في اطار الايقاع والتنظيم حيث التناسب يشكل جزءاً من خصوصياته ما تؤهله إلى أن يختار فرضاً هو بمثابة وحدة ينظم تحت لوائها تعدد الاشكال والحركات والصور . وحين يتلاعب حبكة بما في موضوعه يصغي الفنان إلى ندائه الذي يأمره ترك التشابه بين العناصر والمخالفة منها لكي يلجأ إلى خلق صيغة اركانها الايقاع والاتزان وهدفها صيغة تربط الزمن بالمكان الذي لولاه لما كان الأخير موجوداً ينادي بصوت خافت الزمان الراحل ليمسكه .

احد من الفنانيين نفي به فإن جوغ التعبيري الذي عبر عن الحب في تساميه وخلطه ومزجه بالهوى الانساني بطريقة غريبة تشبه شغف الارض وسمائها بالههما وحبهما بما يحيط به من هالة تجعله ملكاً عليهما . هالته أنها ليست من الطبيعة لكنها موجودة وعلى الفنان أن يختارها لأنها من القيم الإنسانية التي أحسن بها وعليه واجب هو اقامتها في لوحاته . فالفكرة التي لخصها فإن جوغ تعني تجميع كل ما يتعلق بالشعور والوجدان وحبهما بالصورة أو اللوحة التي تحوي الرموز والاشارات , ملخصها أن لا حد لهما سوى ما حصره الفنان في اطار الشعور في اطار الشعور بالحدود الواضحة أي ما يمكن اسكاته حصراً باطار اللوحة ووهجاً بما تأتي به العين لترى ما كان العقل يعمله عند حدوث العمل الفني .

لم يكن فان  جوغ الفنان الهولندي بعيداً عن عصره حين تبنى الجمالية الالمانية التعبيرية وبها أقام الحد وقطع واقعية الاشكال بتحريفها واخراجها من اوضاعها الطبيعية , لتبقى رمزاً يدل على شيء اراد الفنان أن يحققه . ولشدة تأمله بالطبيعة وحلمه بالعلم المتفوق بحث فان جوغ ما يحيط بالعين من رؤى أخرى فاهمل ما يأتي الفكر به وحمل الاشياء نوراً أكثر مما هي عليه في الواقع تاركاً عمقها رهن التفهم والتحليل جاعلاً الوصول إليها عبر حبال من نور واثقاً منها أنها توصله إلى الاعماق لا السطحية .

ولهذا وفي ظل وهاج ات من برق خاطف يمثل الوحدة في التكوين الذي يحوي العديد الكثير من مظاهر الطبيعة وكذلك ما اخترعه الانسان من مظاهر اصطناعية . حاول فان جوغ أن يوحد الاثنين في اطار اسلوب ابداعه فكان منه الاعتراف بما يراه معالجاً اياه بالالم وتوتر اعصابه مستخرجاً منه ما يرضي العامة الذين ليس لهم من الفن سوى النقل بتفاصيل دقيقة .

أن الفن وفي مجراه التصاعدي العلمي لم يكن يهدف في تجارب تحولاته من الجمال للجمال والتعبير الذاتي للذات كما كان شا ئعاً أيام عصره أنما كان هدفه الحاق ذاتية وادخالها مجرى التعاطي مع الروحانيات التصوفية المفارقة للفلسفة المادية وقوتها في تفسير مجاري العلم لمصالحها. خاصة في بناء المجتماعات الجديدة . فقد عمد على النقل ” المباشر عن الطبيعة لتسجيل الاحساس الأول , وهي من خصائص العلم في ملاحظاته الاولية تدريجاً منها للوصول إلى الملاحظة الكبرى في التفاعل وما يحسن مراقبته في الاداء نحو خلق مكونات جديدة لم تستطع الطبيعة ابدائها  التي الزمتها الطبيعة على أن تكون في هيكلية ترضى عنها الطبيعة وحكمتها في حبكة الظواهر الطبيعية و إن بدا منها ما يحتاج إلى التحليل .

وعلى هذا فالرسوم التي خلفها ليوناردافنشي في جذورها وتصاميمها أثار معرفة وخلفية علمية أن دلت على شيء فأنها تدل على أن الفن لم يكن بعيداً عن العلم ومكتشفاته .

والرأى الجازم أيضاً يعتبر أن الفن ليس هو النقل والاكتفاء بما لدى الطبيعة من مظاهر تكاد تكون محصورة بذاتها وجمالها المقيد بوظائف الطبيعة وتصاميمها , أنما هو ذات اغراض تعبيرية جمالية يلفها نشاط الإنسام المركب .

حيثما جلنا الطرف نرى الدليل الكافي على ما يظهر براعة الطبيعة في الهندسة , وابنها الإنسان البار قد ورث عنها قدرة الانتماء على استمراية البحث عن جولات هندسية تريد الطبيعة استكمالها في حال وجود امكنة تخص الاملاء . لهذا لجأ الإنسان إلى التركيب والتجريد . لجأ ليثبت أنه يملك قدرة استبدال الطبيعة بطبيعة أخرى من صنع البشر .

والفنان من هذا المنظور وما يملكه من شعور وتعابير ابدى قدرته على معرفة النفس حين اكتشف عن طريق علم النفس _ العلم الجديد _ أنه يملك عالماً فيه من الاسرار ما تساعده على تخطي المظهر والغوص بداخله ليقلع عنه ما تحلم به من الية الجسد دون الروح .

لقد اختبر الفنان وزاد في اختباره حين عرف أن ما يفرق ظواهر النفس عن ظواهر الطبيعة هو القوة في الكتشاف والبحث و الاستدلال الكافي لحفظ تقرير الدليل لاثبات المدلول .

فالنشطات الانسانية التي هي حصيلة تجربة الإنسان الواعي مع محيطه وحسم الخلاف الذي يدور على فرض ما بينهما يكاد يظهر أن التجريب هو منهج علمي يقوم على الاستخدام المنظم للتجربة .وهذا بالطبع ما تبناه الفن في مجراه العلمي , فارخى من لدنه ستار الكشف السطحي لباديات الطبيعة وتحول إلى ملاحقة ركب العلم للزود منه بالمعلومات .

أن الشيء الذي يعطيه ملاحقة العلم ومشاركته هو أنه عند تبنيه مواقف العلماء نال منهم قوة الملاحظة والمراقبة والانتاج بعد الحسبان كذلك الشعور بالرضى لما سعى إليه وما اتت به تجاربه خاصة فيما يتعلق بالبناء الهندسي للكون بكل ما يحويه وما يتصف به من جمال مثير للدهشة في النفوس .

لقد كان يعتبر في قرارة نفسه أن الفن ليس هو كما قلنا سابقاً الشعور والتعبير واظهار الاعجاب بالمظاهر وأنما هو المشاركة في بناء ركب الحضارة وما يساعد العلماء في الكشف عن معادلات علمية صوفية لم يستطع العلم اكتشافها لأن فيها تجارب هي من النفس أقرب منها إلى المادة . و أن كان حقاً كما يدعون أن الفن هو الشعور والتعبير دون العلم نكون قد اسكتنا الفهم عنه بالتقليد والترجمة بالنقل وكذلك الانتاج بتفاهته .

وحين يعرف الفنان أنه حرفي يمارس المهنة يثبت من خلال ممارسته وجوده ومكان وجوده وزمان وجوده المعنيين في مدار التاريخ يحددون وجوده في بقعة لها انتماء لوطن وثرات استفاد الفنان منهما وخلق لنفسه اسلوباً يكون جزءاً من انتاج عام عالمي له هوية هي بالذات فخراً لأعماله لأنها ذات طابع يمثله ويمثل انتماءه , فكان أن صدر عنه الفن الملتزم وظهرت معه مشاكل مجتمعة , وأصبحت الاعمال مفيدة في ان ومبدعة في ان اخر إذا ما عرضت في سياق التسابق نحو الأفضل .

لهذ جاء الفن في بدايته رمزاً والمعرفة ترافقه تحسن مجاورته لأن الاشياء التي تحيط بصاحبه بحاجة إلى كشف يحدد الاستفادة منه , فالعينات التي يأخذها من الطبيعة هي من الرموز العامة المنتشرة في اصقاع الأرض وباطنها , أوجدها الإنسان العالم من سياقات عدة بغية التحليل عليها وكشفها للسيطرة عليها , فجعل لكل اكتشاف باباً سماه باسم يخالف اكتشاف اخر .

ومن باب التسمية التي تخص أعمال الإنسان الفنية وتعاطيه مع الاخر من الطبيعة الاقنعة الافريقية والكتابات العربية التي سماها الغرب زخرفاً وما بزخرف هي بل ابعد من ذلك خاصة فيما يتعلق بالايمان والعين التي ترى المشاهد ولا ترى وهو يحاول ادخال نفسه في التصميم خارجه زخرفاً داخله جزءاً من لعبة الكون الهندسية . هذه الاقنعة والكتابة معاً ما هما إلا اشارات مليئة بالمعاني الدينية والسحرية , حتى أنهما وبالرغم من معانيهما المريئة والصوفية لا يخلوان من سمة تؤكد شروط استعمالهما وكيفية اخراجهما من بوتقة الحزف عند الاخرين إلى بوتقة التأمل عند الحالمين في التصوف والعقيدة . فدورهما الاجتماعي كذلك الروحي والمعرفي في مجالات بعيدة عن متناول العين هو الذي يحقق ثبات وجودهما في امكنة لها قداسة . فالاشارة التي تختفي وراءها المعتقدات هي اسمى من وجود الإنسان لأنها ليست في متناول يده فالذي يلمسه هو الوسيط الذي يربط الأنسان الواعي بالعالم المهيمن على الكون , وهو الذي يساور المتلقي ويستشيره حتى يرضج خاضعاً لما امن به .

من سمات الخفي عن الانظار أنه يراقب كل تحرك يحصل على الارض . فتكون الاشارة التي اكتشفها في الإنسان في خفائها أنها من باب الطلسم والكلمات التي تنمي السحر على افعاله ليأخذ مكانه ما بين الحضور الواقعي المرئي والاخر الخفي . فيكون للعالم ثلاثة ابعاد ملىء بالكائنات التي تحرك الكون وعلى رأس هذه الأبعاد اله يدير كل شيء . لهذا فالحضور الدائم لعالم متخفي لا يعلم بوجوده إلا من تعاطي معه . وبالبنان يشار إليه بأنه الساحر أو الكاهن الذي يعرف كيف يصف الأحرف فتحضر الجان وتلبي نداءه .

هل هذا اللون من السحر يعد فناً له علاقة بالتكوين والتأليف الموجودان من خلال تصور الإنسان له . أم أنه موجود قبل خلق ادم اعتمده كطريقة للتفسير .

كلمة سحر ليس لها دلالة محدودة لكنها تعني الممارسات الشائعة في المجتمعات أو العلم الطبيعي الخاطىء الذي يعتمد على الافعال السحرية كأنها ممارسات علمية يظن أصحابها أنها صحيحة لكنها باطلة وتعني الخطأ. وتعني تفسير الوقائع باختراع جواهر لها غامضة خفية . وهذا ما يقرنها بالطبيعة العقلية الواقعية التي تأتي بعلاقات يكاد أصحابها يساوونها بالمجهول ولا تعرف إلا من خلال مظاهرها التي تخضع إلى المنطق أو ما سمى اتباع الفكر بالفعل . أو التكوين لدى أصحاب العلم الحديث الذي يهدف اخراج الشيء من العدم إلى الوجود أو تركيب الشيء بالتأليف بين اجزائه وهذا ما يقربها إلى مفهوم الكتابة التي تعني صورة الصوت وتعني أيضاً الاجزاء الغيبي الذي له وقع في النفوس عند سماع الصوت المقرون .

بالصورة المحفورة سوداداً بكلمات لا تعني شيئاً يقربها من العقل والمنطق , غير أنها تعني المخاوف من المجهول الاتي من الغيب يحمل في ثناياها ما لا يتوقع حدوثه لأنه خارج عن نطاق الرؤى .

الكلام نطام من العلاقات أو الرموز التي تعني التفاهم بين البشر تأتي  اليهم كمجيء الظواهر للطبيعة لتزييها . لهذا جاءت متنوعة وجاءت تحاكى الحواس بلغات , فكان لكل حاسة لغة ترمي شباكها بين اثنين أو جماعة فيحدث الابتكار ويحدث التطور .

ومع التطور يحدث كل شيء إلى الامام . يسقط العليل ليبقى القوي ! وهو ما يصيب الكائنات من تغير يسقط عنها ما  كانت عليه سابقاً . فالتكوين الذي لف النشاط الإنساني لف معه ما يأتيه من الغيب فأصاب كل ما ابتكره لمعالجته . مندفعاً  به نحو الافضل .

فرحلته مع الوعي  البشري الزمه أن يكون مثله , حاضناً الطبيعة كأم له , منفصلا ً عنها لاحقاً ذاته , مكوناً منها قوة لصياغة رؤيته للعالم , ايغالاً في خفاياها لينبري بها , تكيفاً يرعى ما يوازي فكر العوام ليجلي ما علق منه في خلق تحولات هي ركن تحتاج إليه الجدلية لتقوى بالوعي على الواقع . فكان أن جاء التكوين وجاء معه ما يقوى الصورة الفنية في عموميتها , مع التطور تحول العمل الفني من اشارة خلفها السحر إلى اعلان جمالي يتجاوب معه الفنان ليخاطب به الملتقى بينهما موضوع اللوحة الاعلانية مختصراً به رحلة الفن مع الانسان . لقد اتفقا وهو اتفاق غير معلن أن اللوحة بحاجة إلى ابراز الفكرة التي يحويها الموضوع وارسالها دون وسيط  إلى الملتقي حيث تندره بقدوم الخبر إليه والناس تعلم ما به من استفادة .

لقد طغى الفن على قلوب الناس لكثرة ما يتناول من مواضيع تخص المعتقد والتجني عليه وكيف أنه اراد الاستقلالية خوفاً من سقوطه في لجة ” الجانب ” . لكنه بالرغم من تحفظه على مقوماته المتينة التي ورثها من الوعي . اصبح قطعة استهلاكية كالعصر الذي نعيشه . تموت حين يدعوها النسيان إلى الالغاء , وتحيا حين اللجوء إليها في أمر ضروري يسخرها لصالحه . فلوحة رمبرانت ” النقابة ” ولوحة ليورنادفنشي موناليزا وكذلك لوحة فيرمير بائعة الحليب تحول كل منها إلى اعلان يستفيد منه الناس حين يتذكرون البيرة لشربها والسخرية التي تحيط بشوارب موناليزا للاطاحة بتراثها . أما فيرميرفقد خسر معنويا ً لوحة بائعة الحليب لتصبح سخرة للفكرة السائدة التي تعني الحليب الصافي النقي .

أن مفهوم الاعلان لم يعد محصورا ً بالمواد بل أصبح مركزاً لنشاط مميز له مكانة كبيرة تعم كل المجتمعات التي من خلاله يتم الاستهلاك . ولرواج الاعلان وتأثيره على كل القطاعات يحتاج إلى متحف خاص به. يحتاج إلى دراسة لأنه يتجاوز المنظور القديم وتقدم نحو الالية الحديثة لفن الطباعة وهذا ما تفتقرإليه الفنون القديمة واستند إلى أن بنية الفن البصري وحداثة اخراجه يحتاجان إلى اصول حديثة ترسله إلى الطباعة .

فالقديم من القيم خاصة قيمة التكوين والتأليف حافظ عليها فن الطباعة واضاف على ما حافظ عليه الاشارة والرمز واللغة , اركان الفنون القديمة ومشى معها ولكن باطار يختلف عما كانت هذه الاركان عليه سابقاً.

أن الفن الاعلاني الحديث تعامل مع كل وسائل الاعلام وتجاوزها حتى يصبح في كل بيت وحديث كل صحيفة ومجلة . ولاهميته دفع بعض النقاد إلى اعتباره جعبة من الفن والمعرفة والعلم بعد أن كانت موهبة تحتاج إلى صقل. ومن أهميته أيضاً بالرسم حيث اعتبره اشارة هندسية والية لها صلة بالفكر الناجم عن الاشارات الكتابية والاشكال . لقد دخل هذا الفن اعماق الحياة واستخدم كل طاقاتها المعدنية والزم نفسه أن يتبع وظائف الكائنات بمراقبة الية كيفية التنفيذ التي اختص بها كل كائن . فالنبات والحيوان أكثر تقرباًمنا يصدرون تحركات تلفت نظر المراقبين عليها . كذلك نجد أن المناظر الطبيعية بالرغم من بعدها عن العين نرى فيها اثار الهندسة قد غلفتها من كل جانب . إلا ما الذي فعله سيزان بها حين حولها إلى تشكيلات هندسية مرتبطة بمحيطها العام الذي تسير فيه الكائنات من كل اصنافها سير المحطات بالمدارات الهندسية . لذلك فالمنظر الطبيعي وما يأتي به من تأليف وتكوين له وظائف عدة تختارها الروح لتتعامل معها , حتى إذا قام الاختيار تلجأ إلى الثوابت لتأخذ منها ما يساعدها على اصالة الرسم إلى وسيلة تأتي منها الأداة التي لها شأنها في ابراز معاني الرسم وعلاقته بالفن حيث الغوص في اعماق والكشف عن اسرارها أمر سهل إذا تم التحليل لابراز خفاياها . أن اليد التي يملكها الإنسان هي الأداة التي تربط الإنسان بمحيطه وهي همزة الوصل التي تجمع ما بين العقل وتراه العين وتلمسه اليد .

أن الرسم الخطي البسيط هو الذي يحدد “الاشياء ” ليحيطها بالمعرفة والعلم . وهو أيضاً لقوته عمل ارادي وفكري ينذر بالكتابة الروحية والعاطفية وبكل ما يتحرك بالنفس في عواطف وأحاسيس انسانية أنه التكوين بحد ذاته وما يعطيه من معاني عدة تلزم الإنسان أن يعتمده في كل المجالات الفكرية والفنية .

والخلاصة أنه لا يوجد شكل فني يحيا من فراغ , متخل عما هو فيه أو يقصده, فكينونته لا تعني استقلال قائم بذاته لأنه بحاجة إلى سند يكفل له البقاء على قيد الحياة أو يستمر بها إلى حين يدعوه إلى مجارات ما هو فيه وعليه . فالكفالة الضامنة له هي استدامة شعبيته التي ترعى مصداقيته وتحقيقها في ظل بيئة على الاقل تلك التي جرت فيها مجريات حدثه دون الالتزام بما في الواقع من حقائق لا يحتاجها . ولكن ما يطرحه من حسن في التدبير هو شجون الناس وحاجاتهم الداخلية والنفسية , فإن وفى كان وفاؤه تعبير عما يشكو منه الناس أو يرتاحون , بمعنى أن الفن لا يخلق حقائق جديدة غير تلك التي يعرفها الناس , ولايسعى إلى اعادة تشكيل مجتمع جديد غير راغب في التغيير . و أن رغب , فالرغبة عنده تجسيد لما هو عند الناس أو التقاط وتجسيم ونشر التيارات التي توجد بالفعل عند البعض من الجماهير وتوصيلها إلى قطاعات المجتمع الأخرى .

لقد كان هم الفن التعجيل في عرض افكاره والاسراع في تقبل الشعب لها والتشريع في خلق معايير تأتي خدمة للفكرة التي يحملها . فالسلوك الموحي بمجارات السلوك العام والمحامي له قادر على جعل النشء الجديد يتبناه ويدافع عنه بحجة تأتي من الفكرة ذاتها التي هي جزء من الافكار المشاعة بين افراد المجتمع . خاصة تلك التي يخشاها ويخاف منها مثل الحروب والمجاعة وتجارة المخدرات , فكل منها أن أهمل , أهمل في معالجته بسبب تغيير خطير في القيم وقواعد السلوك داخل قطاعات معينة من المجتمع . وحتى لا يكون هناك كارثة في الاستبدال يلجأ المسؤولون إلى الاعلان لانقاذ مجتمعهم . وما الاعلان في هذه الحال سوى الفن في تكويناته الحديثة التي تشمل السينما والتلفزيون والصحف وما شابه .

أن الفن كما كان يعرض قديماً مشاكل المعتقد وما ينتج عنه من حروب وانتصار وانكسار يعرض اليوم ومن خلال ملاحظاته ومراقباته ما يشكو منه المجتمع من افات , والفن أيضاً الذي يلحظ التطور ويلاحقه ليكون له فيه دور هام في بناء مجتمعه على الأقل .

                                                                  عدنان المصري

————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————–

الفنان التشكيلي عدنان المصري

الحرف علم من علوم الروح

 

الفنان متصوّف يعمل على قهر رغبات النفس

الحروفية تعني التواصل ما بين اللغة والبصر

الحرف سر أعطاه الله لآدم ولم يعطه للملائكة

 

 

عدنان المصري فنان تشكيلي منغمس في هذا الهم الإبداعي من قمة رأسه حتى أخمص القدمين .

يتطلع دائماً إلى الإختلاف ولتميز،فيستغرق في عالم الحروفية،كاشفاً ما يستبطن من جماليات لا يعرفها إلا الراسخون في العلم والفن.

وهو إلى جانب ذلك شخصية فنية معروفة .وله تجربته في التعليم كأستاذ للرسم في ثانوية فخر الدين وفي معهد الفنون بالجامعة اللبنانية،وعضو فاعل في جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت.

حول التجريد وعلاقة العلم بالفن،والحرف والحروفية كان لنا حوار مع الفنان المصري استهله بالقول:

هناك عالمان نعيشه نتحدّث عنه لننا نراه من خلال ظواهر الطبيعة والأحداث والمغامرات والحروب،وعالم ىخر خفي تغزوه دائماً بفكرنا او بإعمال عقلنا لكي ندرك منه العلوم للوصول إلى معرفة المجهول أو تحقيقه على الأقل ولو بكلمة أو لون أو لحن أو شعر…

ما هو الفن التجريدي برأيكم وما علاقته بالتجريد؟

–       التجريد هو اهتمام بالكليات وإهمال إلى حد النفي للجزئيات والاكتفاء بالجوهر دون المادة على أن تبقى الصورة محور لكل خيال ووهم.

إن تعرية الأشكال عن صورتها الطبيعية والعضوية تستهدف الجوهر الكامن من خلف ظواهر الطبيعة وإظهاره ليأخذ مكانه في الطبيعة والفكر.

فالتحول بالشيء الطبيعي إبراز للصورة الميتافيزيقية (ما وراء الطبيعة) والانتقال من المحسوس إلى اللامحسوس أو المعقول إلى اللامعقول ولكن بصيغة تجعل الأخير في متناول الرؤية .

والفنان بهذه الحالة كحال المتصوف الذي يتجرد عن كل ما يتصل بمتع الحياة والعمل على قهر رغبات النفس وشهواتها.مع الحد من الضروريات بالزهد والتقشف حتى تستطيع روحه أن تستمر وتسيطر على الجسد ورغباته.فالصفاء الذهني هو الذي يعطي الإيحاء بمضمون الفكرة التي يقوم عليها العمل الفني وما من عمل فني في الفن التجريدي إلا وتسبقه معالجة فكرة يريد الفنان إظهارها إلى حيز الوجود وذلك عن طريق التحليل والتركيب لعناصر موجودة في الطبيعة يسخرها الفنان لصالح ما يريده من عمله الفني.

هل هناك علاقة تربط العلم بالفن؟

–       العلم والفن نظامان مختلفان ينبعان من نشاطين آتيين من الفكر.

لكل منهما استقلالية لها قواعد تشدهما إلى بناء عمل للعمل وآخر للأثر الفني.لكنهما وبالرغم من نجاحهما يحتاجان إلى تماثل في بنائهما،يجمع ما بينهما مكوناً منهما حجر زاوية تنطلق منها قوة نحو توازن ترتاح إليه نفوس العاملين في تجربتهما وترتقي جاعلة في ارتقائها قوة قادرة على تقويم العلم والفن معاً وتطويعهما لصالح مثولهما أمام التعبير الذي منه تاتي القواعد المشتركة الحاوية على قوائم بنائهما ووظائفهما والهاوية بالاستقلال عنهما.

ومن ناحية أخرى يأتي التنظيم في التوازن ليدفع بكل منهما إلى التخلي عن نصيب هو بمثابة نواة جيدة يشاد عليها بناء صرح يختال به العلم والفن بحرية لكونهما يملكان قواعد تجمع ما بينهما وينفرد كل منهما على حدة بخصائص كأنه المتعة التي يسعى إليهما العلم والفن،غير ساهين عما لدور الوظيفة الإنسانية من أهمية في بناء هذا التنظيم الذي تركن إليه استقلالية الفن في التصميم وكذلك العلم أيضاً.

نقول إن العلم والفن هما نظام فكري مركب سواء أكان كل منهما على حدة أو تجمعها قواعد مشتركة .

أولى هذه القواعد قاعدة التمثيل او العملية التي يقوم عليها الفكر للكشف عن التشابه القائم بين الظواهر.

اما القاعدة الثانية فهي قاعدة التصميم أو المضي بعزيمة حي الشيء بحاجة إلى وعي من تعريفها ياتي البحث عن البناء الداخلي الهندسي للتجربة وذلك عن طريق إيجاد عناصرها و الإكتفاء بانها الخطة الأساسية التي يتم إجراء التجربة على اساسها.

والتماثل البناء بين العلم والفن هو التنظيم الذي نتوخاه والذي منه تأتي القواعد الأساسية للبناء.ففي طياتهما تشابه وظيفي منه يأتي المعنى الذي نرضاه أن أحدهما لا غنى له عن الآخر.

كونكم تتعاطون مع الحرف في كثير من أعمالكم وتنتمون إلى الحروفية.. فما الحرف وما الحروفية؟

–       سؤال لا بد من الإجابة عنه لاعتبارات عدة منها:

إن الحرف مقدس خلقه الله وجعل له سراً أعطاه لآدم ولم يعطه للملائكة.

منه اتت الفنون وجرت حتى أصبحت صورة له.يقبلها كيفما يشاء بحثاً عن ذاته في مكنون محفوظ حمله أول البرية وأسكنه في ذريته فكان منه البيان ومنها البلاغة والإفصاح.

والحرف علم من علوم الروح يتعاطى الحكمة والسحر الأبيض ويتفرع إلى فروع سبعة:منها التنجيم والطبائع والأعداد…

والحرف يقحم الكلام ليركبه من حروف تعني صوراً بدؤها النقطة،شكلها الكرة لا طول لها ولا عرض ولا تفاوت،بيد أن موضعها موضع المزيد،تتحرر لتبني من خلال تحركها قامات المستقيم والمثلث والمربع والدائرة، فبالعودة للتجريد إظهار للمناهج في صياغتها وإحقاق القوانين من الظواهر الحسية.

إن الحروفية تسعى إلى البحث عن ماهية الحرف وليس في إحصاء أنواع الحروف وحصرها كما هو في اللغة والكتابة.

والفن الحروفي اختيار الخيّر من الكلاسيكية والشكال التي نراها بالعين منها ليجعلها سمات لأصوله واستعداداً لاستقبال الأفضل فيي تهيئة انتمائه إلى تراث حضارة صنعية حضارات للمنطقة توجّها الخط العربي ومعتقداته.

مخطئ من يظن أن إسم الحروفية راجع إلى الحرف كظاهرة وحصرها في إطار الرؤية الحية العادية.ولعل الدافع غلى تسميتها بالحروفية هو إسقاطها من حساب الفن وحرمان المنطقة منها. فكأنما الفن هو هذا الذي بدأت به أوروبا إبان عصر النهضة وما أنتجته من مدارس.بينما باقي الفنون ليس لها من صفة سوى أنها مرجع سيستفاد منه.

المهم أن الحرف الذي نكتبه كل يوم ليس بغريب عنا نعرف جماليته ونعتمدها حين نريد القراءة الحسنة.

إن العمل الفني في الفن الحروفي استعمال يتفق مع التقاليد ويتفق أيضاً مع الجهود المبذولة في إنجاح اللغة وبقائها كنبع تشرب منه كل الفنون منها الحروفية التي تعني التواصل ما بين اللغة والبصر وتعني أيضاً الوجدان الحافز نحو الاستقلالية الهادفة إلى جعل الإنسان واعياً لما يبديه وما يخفيه ،فهو جزء منها وإن كان خارجاً عنها له تفويض بالحديث عنها كا يفعل مع الدين والعادات والتقاليد مدافعاً لا مستفسراً يختال عزاً من أن ما يراه هو نفسه صحيفة تروي القصص والمعتقد والإيمان ولمّ الشتات.

حوار: هبة شرقاوي مايا مكمّل

الفنان التشكيلي عدنان المصري لـ” البلاد”:

اللانهائي والمطلق

هو خليفة الفن الإسلامي

لعل أهم النتاجات الجديدة التي تعاملت مع الخط العربي،كعنصر تشكيلي في اللوحة،هي تلك الأأعمال التي عززت الإمكانيات التجريدية لحرف،بمنحه سمة تجريدية معمقة،دون لوقوع في التجريد السكوني الغربي،وكذلك الأمر بالنسبة لاتجاه بعض الفنانين في استخدام الكلمة،التي وظفت بتأليفات عفوية إلاّ أنها جادة،في محاولة منهم للوصول إلى رؤية جديدة للوحة،تسعى إلى تجاوز خصائص الفن الغربي من الناحية الجمالية،مستخدمين امكانياتهم الأدائية العالية… فالكلمات تتحول إلى عناصر تشكيلية وإلى لغة خطية تجريدية،يتضافر معها التجريد اللوني المدروس بعناية ،في إضفاء مسحة من تأمل وصفاء روحيين عميقين…

عن الخط العربي كعنصر تشكيلي كان لنا هذا الحوار مع الفنان التشكيلي عدنان المصري:

اعتمدت الحرف العربي ،في صياغة الكثير من لوحاتك،فما هي المسوغات الفكرية التي أفضت بك إلى هذا الخيار؟

البداية لا تختلف عن بداية أي فنان يلجأ إلى التمعن في قراءة أعمال الفنانين الكبار،وقد يؤخذ بها،فيلجأ إلى البحث عن الزاوية الفنية التي نظروا من خلالها،وطريقة معالجتهم لها،واستحوذ على الإعجاب بفناني عصر النهضة الذين عرفوا بإعجابهم بالطبيعة،فاندفعت لدراسة الكثير من نتاجهم… فوجدت أنهم وقفوا بنقلها وتمثيلها على نحو يدعو إلى التقدير،وقد ساعد على ذلك العديد من الاكتشافات العلمية وأهمها نظرية “علم المنظور”.

 

ولكن تطور نظرة الإنسان للفن والحياة،أكدت أن الطبيعة ،ليست فقط رؤية بصرية وإنما هي كل مايحيط بالفنان ويختلج في أعماقه … وما صاغه عبر تاريخهمن نظريات ،جعلته كائناً اجتماعياً ،يمتلك لغة يخاطب الآخرين بها،ويقنع الآخرين بمهارة ،كيف أنه استطاع بلغته وبيانه،اختزال كل ما حوله من صور جعلها كلمات تحمل في ياتها أفكاراً هي في الحقيقة رجاء اٌنسان في التطلع إلى المستقبل…

 

من هذه الأفكار ،وما كنت قد اختزنته في ذاكرتي من تراث قديم جعلني اندفع إلى دراسة تاريخ هذه المنطقة ،بكل ما امتازت به… انطلاقاً من كشف أبجدية الإنسان وتعاطيه مع الطبيعة،ثم إطلاق هذه البجدية ،إلى لغة تنحصر في بقعة هي ملك شعب عريق في تراثه وانجازاته الانسانية…

 

عندما درست الفن في الأكاديمية اللبنانية عام 1962،كنت أراقب شرح الأساتذة لتفهم معنى الطبيعة ،وجلاء مظاهر الجمال الكامن في الخلق،فكانت هذه الدراسات هي الحافز إلى معرفة لغة التصوير،وهي لا تقل مطلقاً عن بداية معرفة الانسان ،في خق لغته التشكيلية ،ولئن كان يرسم الطبيعة بتفاصيلها وجزئياتها بلغته،فهو قد مر بأطوار مختلفة في سعيه لكي يكون لغة متميزة في اختصاراته.

… وهكذا فالبداية كانت عنده،صورية مادية، بمعنى أنه كان يرسم الصور المادية للدلالة عليها وكأنها لغة،فسهلت عليه الكثير من المشاكل في عملية التخاطب الاجتماعي ولكنه وقع في معنى الحزن والخوف والألم وهي مشاعر  وجدانية لا دلالة لها خارج طبيعة الإنسان ،لذا لجأ إلى الرموز والإشارات للإيحاء،بمعان قد تؤثر على تحريك وجدان الإنسان، دون أن تحمل هي وقع هذا التأثير ،بمعنى أنهم الزموا الصور بلوازمها ،فكانوا يرسمون”القلم والدواة” للدلاة على الكتابة  مثلاًُ… الخ.

إلا أن هذه الصور التي بدت قاصرة عن تلبية حاجاته،لجأ إلى اختزالها فكان الحرف،وكانت الكلمة ثم الجملة … ثم كانت اللغىة لتي هي اختصار لكل ما يراه الإنسان ويشعر به من وجدانيات…

ولما انهيت دراستي في معهد الفنون ودرست الفلسفة في الجامعة العربية،ساعدتني هذه الدراسة على التعمق في دراسة خطى الإنسان… ومن ثم إلى التقصي والبحث في اللغة التي هي عنوان وجوده،ونظرته للكون وتجربته مع الإنسان الآخر…

كل هذا ساعدني على التطلع إلى اللغة العربية،ودراسة جمالياتها ومقارنتها بأبجدية اللغات الأخرى،فوجدت أنها ،تنفرد بجماليات ملاصقة لوجدانيات الإنسان،أكثر من أية لغة أخرى… الأمر الذي كان حافزاً لاستبدال أو تغيير رؤيتي من الإعجاب بحضارة الغرب إلى العودة إلى الجذور المكونة لمعطيات تاريخنا وتراثنا.

 

كيف تنظر إلى الإمكانيات التشكيلية ،التي أعطت الحرف العربي قوة حضوره كمساحة وعلاقة هندسية وايقاع خطي،استطاع السيطرة على مسطح اللوحة بجدارة؟

نحن نعلم أن الخط العربي ،بعد مروره بأطوار عدة،أغنت وأخصبت جماليته،وهذا التطور والخصب كان الدافع الأساس إلى خلق رؤية حسية عقلانية لدي،فهو في صورته الأولى، كما وصلت إلينا م المعلمين الأول للخط قد دفعني إلى حب هذا الواقع، ودفعني أيضاً إلى احترام النظام،لأن الخط لو لم يكن منتظماً،في تكويناته ،لما ظهرت جماليته،ولو لم يكن طيّعاً في انسيابه وواضحاً فيتحديداته ،ومتسامياً في تعاليه،ومندفقاً من جاذبية القاعدة إلى فضاء العمل،كمكنونات الطبيعة التي تندفع من الأرض إلى السماء،لما تكوّن عندي ما يسمى عند الفلاسفة بالحس العقلاني،ولما تذكرت دائماً ما قاله أفلاطون:” إن الشكل النسبي،يختلف مطلقاً عن الشكل المطلق…”.

وإن الصور الموجودة حول الإنسان،والإنسان بحد ذاته ،هي لعبة خيال لعالم المطلق،حددتها الفلسفات والأديان فيما بعد… والشكل النسبي كما استوعبت مفهومه هنا،هو هذا الشكل الذي يعني أن كل شيء يكون جماله قائماً في تقليد الأشياء الحقيقية،بينما المطلق هو الذي يحتوي على خطوط منحنية ومدورات … الخ.

أي أن الكون كله هو عبارة عن بناء هندسي ،تدور قوائمه على حركات من مساحات هندسية منتظمة الايقاع،تحتوي أشكالاً هندسية عرفت فيما بعد بعالم الهندسة،حيث يسعى الإنسان بجهد إلى خلق طبيعة انسانية تراث طبيعة الطبيعة..

وهذا هو مفهوم اللوحة عندي،أما كيف أتعامل معها،فهو تعامل الإنسان مع بحر من الفراغ عميق الغور،كعمق جذور الإنسان في طبيعته وتراثه…

وهنا دعني أقول أن الفن الإسلامي، الذي مر لم يفهمه الغرب كثيراً لروحانيته البعيدة عن الصورة الطبيعية، يحوي هذه الرؤية المطلقة للحياة والكون.

ولكن أول من اكتشف امكانيات الحرف العربي التشكيلية هم فنانون غربيون،منهم مثلاً ماتيس وبول كليه… هل باستطاعتنا القول،أن تنبه فنانينا إلى امكانيات التراث،هي أيضاً نتيجة لمعطيات ثقافية وافدة…؟

معلوم أن الغرب ،وبعد اندفاعه الاستعماري في أنحاء شتى من العالم،ووضع يده  على مقدرات هذه الأوطان بما فيها مكتشفاتها الأثرية،وكذلك عودته إلى ابتكار حضارة أوروبية مستندة إلى هذه المكتشفات الأثرية والعلمية،،فكان يسعى دائماً إلى معرفة تراث الأمم الأخرى وفنونها،وكان تطلعه إلى التراث الإسلامي من مختلف جوانبه من قبيل الكتشافات التي سعى إليها المستعمر،فكان إعجابه بالتراث اعربي،إعجاب  المزهو بالكتشاف،وليس توقاً إلى تعريفنا بتراثنا العميق،لكن الإنسان العربي والاسلامي ،ونضاله ضد الاستعمار الغربي آثار لديه وعياً وتشوقاً لمعرفة ذاته في مقومات كان اسلافه من خلالها أسياداً على بلادهم.

 

إن مرارة  النضال وإبعاد كل الشبهات عن هذا التراث،والغيرة عليه هو الحافز للبحث في فنوننا وحضارتنا التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من تراث البشرية.

إن تجربة فناني الغرب مع الفن الإسلامي ،هي تجربة مادية،ينقصها الروحي،فهي حالة انبهار ،ورؤية سطحية لبعض  جوانب تراثنا…

و”ماتيس” لم يخرج على هذه القاعدة وإن كان قد وفق من خلال تأثره بجو الشرق ،بتزيين لوحاته بزخارف عربية،أغنت الوحة بإضافات جمالية وصيغ  ذات هوية،لم يكن يعهدها عالمه الذي ألفه من قبل،والذي كان يكوّن من خلاله ببناءه التشكيلي…

.. لقد استطاع “بول كليه”، الذي تعشّق جو الشرق وسحره،أن يتقدم في محاولاته الفنية خطى أوسع وتمكن برفاهة حسّه أن يعتبر بغنائية وايقاعات لونية غنية،عن كل ما عرض له من واقع الحياة والتراث العربيين ،متلمساً في الوقت نفسه حقيقة تراثنا… ولكن بطبيعة الحال بعين الفنن الغربي…

 

هل تتجه الحروفية،إلى قاسم مشترك مع اللوحة التجريدية الغربية،التي يعتمد الفنان الغربي في صياغتها على ايقاعات اللون وارتعاشاته؟

الفن الإسلامي يعتمد على الشكل المطلق،فهو يعتمد حيناً على الشكل الهندسي،الذي يعطي إحساساً بالاستقرار والذييدفع الناظر إلى الثبات والسكون،ويثير لدى المشاهد رؤية جذابة داخل المساحات التي لا تنتهي ،من خلال وحدات زخرفية متواترة ،أو يحيط بها الرقش العربي “الآرابسك” المتداخل بحركات وايقاعات لا تنتهي،إذ أن لا نقطة نهاية لها،وكأن العمل هنا يدعو الناظر إلى رؤية خلق جديد،والغاية أن الفنان ،لا يريد من القارئ ،أن تستقر رؤيته عل حدود معينة سواء في المعنى أو التصميم..

إذا نستطيع أن نقرر في أن الفن الإسلامي ،هو توليد لمعان جديدة من خلال عناصر ،لم تحدد ولا يحدها خلق… أما بالنسبة للتجريد الغربي وعلاقته بالفن الإسلامي ،وإن اختلفت السبل،سواء كان في مادة التعبير أو الفكرة… فلديهما قاسم مشترك هو الطبيعة العقلانية مضافاً إليها حساً عاطفياً ،مردّه في الفن الإسلامي إلى التكرار في السعي إلى الخالق،الذي منه وإليه تنتهي الأسباب والمسببات،كذلك نجد في الفن الاسلامي ميزة بأن لا يقف عن نقطة كما لا نرى له نهاية… فهو يرتكز على قواعد رياضية، فب كرار الموضوع والرغبة في حلّ! معادلة الفراغ،والسعي إلى فهم ما خلقه الله في الكون  وما وراء طبيعة العناصر ،هذا مناه أن الترابط اللانهائي هو الذي أوجد الفن الإسلامي…

بينما التجريد في الفن الغربي، وإن كان الفنان يسعى إلى تجريد عناصر الطبيعة ويحولها إلى مظاهر عقلانية منطلقاً من الواقع المادي،ويطوعه لمصلحة التجريد.يزيل الصور الظاهرية للأشكال،ويحولها إلى علاقات لونية،يشكلها ليعطيها صبغة عاطفية… مع ذلك فإننا لا نزال نرى في تجربة الفنان الغربي محاولة لحروج من هالة عدم الاستقرار،إلى الاستقرار الذي سبقه إليه الفن الإسلامي منذ فترة طويلة…

ومع ذلك يبقى البحث عن الجمال في التجريد الغربي هو الغاية،لأنه يحاول منح اللوحة واقعاً جمالياً قائماً بذاته،من خلال خطوات مادية،بخلاف ما توصل إليه الفن الإسلامي بروحانيته.

لقد دار حول سؤالك هذا نقاش كبير،استقر على رأي انفرد به أنه ” لو علم الغرب روح الإسلام لتوجه إلى الفن الإسلامي بنفسه”.

                                               أجرى الحوار: جمال درويش

  ———————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————————– 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s